خليل الصفدي

383

أعيان العصر وأعوان النصر

كان شكله مليحا ، ووجهه صبيحا مسترسل شعر الذقن في سواد ، خفيف الحركة لا يلحقه جواد ، وكان يغلب عليه اللعب واللهو والانشراح والزهو ، لا يؤثر على الرقص شيئا ، ولا يتخذ غير ظله فيئا ، على أنه مكّنه أستاذه تمكينا كثيرا ، وأحلّه من الدولة محلا أثيرا ، ركبه في البريد إلى الشام مرات ، وتلقّاه الناس بالخدم والمبرات ، وحصل مالا جزيلا في مدة قريبة ، واقتنى أشياء من كل صنف عجيبة . ولم يزل في لهوه ومجونه ، وعدم تثبته وسكونه ، إلى أن راح فيمن راح ، ونفضت من أمره الراح في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة . وكان الأمير علاء الدين الطنبغا المارداني - الذي تقدم ذكره - هو في خوشداشه الذي نبّه عليه ، وأشار بإصبعه إليه ، فقرّبه السلطان ، وولاه الدوادارية بعد انفصال الأمير سيف الدين بغا الدودار - على ما تقدم في ترجمة بغا - بعناية القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص وعناية القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه ؛ لأنه كان صغيرا ، وكرها سيف الدين بغا ، وتوهّما أنه يكون طوع ، ما يختارانه ويحاولانه منه ، فما كان إلا أن تقدم ، وذاق طعم الوظيفة ، فعاملها بضد ما توهماه فيه وأملاه منه ، وأمره السلطان طبلخاناه ، وقال له : وا لك يا طاجار ما كان دودار أمير مائة قط ، وأنا أعطيك إمرة مائة فاجعل بالك مني ، واقض أشغالك في ضمن أشغالي ، ولا تقض أشغالي في ضمن أشغالك ، وإذا دفع إليك أحد شيئا من الذهب برطيلا احمله إلى كاتبي النشو . وجهّزه السلطان مع الأمير سيف الدين طشتمر الساقي إلى صفد ؛ ليقرّه في النيابة ، فأعطاه على ما قيل مائة ألف درهم ، وجاء من صفد إلى عند الأمير سيف الدين تنكز فأعطاه جملة ، وكان تنكز في مرج الغسولة ، فلما رأى خام الأمير سيف الدين تنكز قال : واللّه هذا الخام ما هو للسلطان ، فبلغ ذلك تنكز ، وكان سبب الوحشة بينهما . وكان تنكز إذا طلع إلى المرج يأخذ حريمه معه ، وهن تسع جوار موطوءات كل واحدة ببيتها وخدمها وجواريها ، ويضرب عليهن شقة كبيرة ، يحشر خامهن فيها ، ثم إنه بعد ذلك حضر إلى الشام خمس أو ست مرات ، وقد ذكرت في ترجمة تنكز ما اتفق له عندما جاء إليه قبل إمساكه وما دار بينهما ، ثم إنه جهّزه للسلطان صحبة الأمير سيف الدين بشتاك لما حضر للحوطة على موجود تنكز ، وعاد إلى مصر ، فلما توفي السلطان الملك الناصر تمكّن من ولده الملك المنصور أبي بكر ، فيقال : إنه هو الذي حسن له الفتك بقوصون ، ولما شعر قوصون بذلك خلع المنصور ، ورتب أخاه الأشرف كجك ، وأمسك طاجار وجماعة ، وجهزهم إلى إسكندرية ، فقتل طاجار مع بشتاك . وكان كثير اللعب ، يخرج من قدام السلطان ، وينزل إلى القاهرة ، ويعمل سماعا ،